السيد كمال الحيدري
206
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
عنصر السعي المبنى على الإرادة والاختيار أجدر بهم أن يتحوّلوا من عالم الوجود إلى عالم الفناء ، منبّهاً إلى أنّ ما يؤخذ به من القول بالقضاء والقدر مختلف تماماً عن الجبر ، إذ هو لا يعفى الفاعل من مسؤوليّته . وكذلك الحال في التوكّل والركون إلى القضاء فإنّ الشرع قد طلبه في العمل لا في البطالة والكسل « 1 » . في وقت لاحق زعم السياسي الفرنسي المعاصر ل « عبده » ( جابريبل هانوتو ) أنّ حالة التخلّف التي يعاني منها المسلمون ترتدّ نهاية المطاف إلى العقيدة الإسلامية نفسها ، بالتحديد إلى مبدأ « التوحيد الخالص » وعقيدة « القدر » . فالتوحيد الخالص والعلوّ المطلق لله يهمِّش الإنسان ويُشعره بالعجز فيبعث فيه اليأس ووهن العزيمة . أمّا القدر فيلغى إرادة الإنسان ويشلّ فعّاليته . عندما بثّ هانوتو مزاعمه هذه انبرى له عبده مذكّراً له في البدء ما تحظى به عقيدة القضاء والقدر من عراقة : « هل نسي مسيو هانوتو أنّ البحث في القدر لم يختصّ بملّة من الملل ، وأنّ منشأ الكلام فيه هو الاعتقاد بإحاطة علم الله بكلّ شئ ، وشمول قدرته لكلّ ممكن ؟ » . ثمّ انعطف يقول : « وهل نسي أنّ الخلاف في المسألة قد عظم بين المسيحيّين أنفسهم قبل الإسلام واستمرّ إلى هذه الأيّام ؟ » . أوضح له بعد ذلك أنّ الإيمان بالقضاء والقدر لا يعنى الإيمان بالمذهب الجبري كما يتوهّم الدارسون الغربيّون ، تبعهم على ذلك عدد من الشرقيّين :
--> ( 1 ) أسس التقدّم عند مفكّرى الإسلام في العالم العربي الحديث ، فهمي جدعان ، ص 195 ؛ مشكلتا الوجود والمعرفة في الفكر الإسلامي الحديث عند كلّ من الإمام محمد عبده ومحمد إقبال ، عطية سلمان ، عودة ، ص 171 فما بعد ؛ مفهوم الحرية في الفكر العربي الحديث ، د . سليم ناصر بركات ، ط 2 ، دمشق ، 1984 ، ص 316 حيث اعتمد هؤلاء على رسالة في القضاء والقدر نشرت في « العروة الوثقى » نسب تأليفها إلى محمّد عبده ، / / بيدَ أنّ الباحثين يؤكّدون أنّها تعبّر عن موقف الأفغاني وعبده معاً .